زوار الصفحة

الاثنين، 8 أبريل 2013

حفظ الدين وقصور نظرية مقاصد الشريعة - غيداء سرحان

حفظ الدين وقصور نظرية مقاصد الشريعة

إن الحديث عن العلوم الإسلامية حديث ذو شجون، يطول النقاش حول الكثير من جوانبه وقضاياه، وتتفرع الرؤى والتصورات حول هذه العلوم بين مؤيد لها ومحتضن لكل ماأنتجته من أفكار وأنماط وقواعد، وبين رافض لها مستبيح لقدسيتها ولكل ما أفرزته عبرالحقب والعصور. وهذا النقاش الطويل كان مرده اختلاف المعطيات والمنطلقات البحثية لكل تصور من هذه التصورات، إضافة إلى النتائج التي يحصل عليها هذا الفريق أو ذاك.
ومن هذه العلوم التي أسست لها الثقافة الإسلامية، ولا زالت نظريتها قائمة في المؤسسات المختلفة سواء كانت رسمية أو غير رسمية نظرية المقاصد، التي اعتبرت من الأمور التي تجاوزت القنطرة في منظور المؤصلين لهذا الفرع من المعرفة الدينية. وهي نظرية كانت ولا تزال محط تساؤل بين مؤيد لها، وناف لجدواها أو مقلل من شأنها. ولعل مثار الجدل الذي خلقته هذه النظرية نابع من عمق ما تحمله من معنى، وما يمكن أن تؤسس له من أفكار أو تصورات.

ولعل أبرز قضية قد تثيرها نظرية بحجم ما أصل له علم الأصول، هي دعوى هذا الأخير أن مدار الشرع حسب تصور الأصوليين له، يدور على كليات خمس تتمثل في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل. وقد مثلوا لكل كلية من هذه الكليات الخمس بأمثلة تطبيقية مستقاة حسب منظورهم الفكري والعقدي، مما قد يطلق عليه ثنائية الكتاب والسنة.
وأنا هنا إذ أريد أن أقنع نفسي بصدق ما تحمله هذه النظرية، ومشروعها الإنساني كما تزعم لنفسها، أريد في الوقت نفسه أن أخضعها للمجال التجريبي كما هو حال كل النظريات الفكرية التي يكون منشؤها العقل المجرد. وأنا هنا لا أريد أن أستبق النتائج لأعلن موقفي من هذه النظرية سلبا أو إيجابا. وإنما أهدف بشكل أو بآخر إلى وضع ما يمكن أن يكون لبسا نظريا عن طريق التلفيق والتزوير على المحك الحقيقي. فإن كان نافعا للناس حاملا مشروعه الإنساني فسيمكث في أذهان الناس وسيحمل مقوماتالدفاع عن نفسه.
وإذا كان مجرد قالب فارغ قد تمت زخرفته من الخارج ليسحر أعين الناس ويسترهبهم، فسرعان ما تنكشف حقيقته بمجرد إطلالة بسيطة على هذا الخواء.
ومن هذا المنطلق ستكون دراستنا من خلال التطبيق الفعلي على بعض معالم هذه النظرية ليتبين صدقها من زيفها. حتى إذا تهاوى هذا البعض سقط الآخر بالضرورة. وستكون مقاربتنا للموضوع من خلال التصور التالي:
1- نظرية المقاصد ونسبية علم الأصول:
لا بد لنا من إشارة هامة في هذا المقام، يجب استحضارها عند تناول أي قضية تهدف إلى مساءلة نقدية لعلم من العلوم خاصة العلوم المرتبطة بالدين. هذه المسألة
هي ما يمكن أن نصطلح عليه بنسبية العلوم الدينية. وقد يبدو الكلام تبسيطيا ومجرد تحصيل حاصل عند البعض. لكن الغوص في عمقه ومراميه يعكس حقيقة أزمة الواقع الديني بشكل كبير، حين جعل من هذه العلوم علوما فوق البشرية، وارتفع بها عن النقد والمساءلة من خلال مقولات وقواعد واهية، أصلت لبقائها محفوظة من سهام كل مقترب لبنيتها تحليلا أو نقدا. ونظرة إلى الواقع الإسلامي بعلومه المختلفة تصدق ماأكدناه، حينما اعتبر علومه قد جاوزت القنطرة ونضجت واحترقت، ومثل هذه المفاهيم الرامية إلى الارتفاع على سقف الإنسان، دونما أي منطق علمي.
وعلم الأصول واحد من هذه العلوم التي لم تنشأ من فراغ، ولم تحافظ على أسسها بالشكل المعروف حاليا، إلا من خلال هذا القواعد والقوالب الفكرية الفارغة المحتوى التي تفصل بين النظرية والتطبيق. كما أن المقاصد وهي فرع من علم الأصول لم تنلها أيضا يد النقد لما قد شرحناه آنفا. وعليه فلا بد من التذكير بنسبية هذه العلوم، لنخطو بجسارة في ظل ما هو نسبي بشري، ولنتمكن من تفعيل حريتنا وحقنا في ما نعتبره نقدا حقيقيا، لبنية هذه العلوم الإسلامية بعيدا عن المزايدات أو المناقصات.

ولعل الخلط المنهجي الذي يساهم في تكوين هذه النظرة السطحية للعلوم الإسلامية،وإحاطتها بالقدسية المزعومة هو وصفها:” بالشرعية أو الإسلامية “،
وبالتالي فأي اقتراب منها هو اقتراب من المحظور وانتهاك لحرمة الدين. وهو أمر مرفوضبالمنطق التاريخي والثقافي المؤمن بنشأة العلوم، وتأثرها بالعوامل المختلفة منزمان ومكان وسياسة واجتماع، وغير ذلك من الأمور.
على أن عدم الاكتراث بمفاهيم من قبيل ما شرحناه على المدى البعيد، تكون له مآلات كارثية في حجم ما نراه من أزمات سياسية واجتماعية يكون الدين أحد أطرافها. إذ وصف العلوم بالشرعية أو الإسلامية، هو منح لها طابعا إطلاقيا وشموليا يخترق حواجز الزمان والمكان، ويتناسى بأن هذه العلوم المسماة ” بالشرعية أوالإسلامية”، هي نتاج فكر بشري وظروف تاريخية معينة.
يجب أن يفهم هو أن العلوم الشرعية أو الإسلامية،ما هي إلا ثمرة تفاعل الإنسان مع الظاهرة الدينية. وهي في جوهرها رؤية إنسانية نسبية يتساوى فيها احتمال الخطأ والصواب، وتتأثر بالعوامل المختلفة التي تشكل عقل الإنسان من زمان ومكان وثقافة. فتغييب هذا الجانب المحوري في الدين، قد تكون له انعكاسات خطيرة، تنسف بجهود البشر في ترسيخ مبادئ العدل والسلام والإخاء، وتقضي بشكل نهائي على أمل التواصل الحضاري مع الآخر.

2- حفظ الدين وإشكالية الإرهاب العالمي:
تعد قضية حفظ الدين من الكليات الكبيرة في الترتيب المقاصدي لعلماء الأصول. فقد أولوهاعناية فائقة، وأنزلوها المنزلة الأولى في ترتيبهم لهذه الكليات. ولعل هذا الترتيب لم يكن خاضعا لمنطق العبث، أي لم يكن منشأه الفراغ. بل كانت هناك مرجعية فكرية ونصوص مؤسسة لهذا التصور الفكري، سواء اتفقنا مع هذه المرجعيات أم اختلفنا.
ولمعرفة مدى الخطر الكبير الكامن وراء هذه البنية الفكرية، سيكون لزاما علينا أن نقوم بنقد هذه الذهنية، انطلاقا من المنطق الذي تؤمن به. ولعل الخطأ الأول في هذا الترتيب أنه قدم عنصر الدين على عنصر الإنسان، ونسى أو تناسى أن الدين للإنسان وليس العكس، ولو نزعنا عنصر الإنسان، بصفته صاحب الريادة داخل المنظومة الكونية لاختلت المعادلة، ولما عاد للدين أي دور أو هدف. وقد يبدو لناظر أننا ننطلق من نظرة معادية للدين أو ما شابه. ولكن الأمر يختلف هنا ونحن نتناول قضية لها وزنها وتبعاتها على مختلف المستويات. فحفظ الإنسان هو أول كلي يمكن أن نتحدث عنه، ولاتوجد أي إيديولوجية سواء كانت دينية أو غير دينية، إلا ركزت على البعد الإنساني ليجد خطابها المصداقية والواقعية أيضا. والدين نفسه لا يخرج عن هذا الإطار العام لأي تصور فكري أو ثقافي آخر. فإذا غاب الإنسان غاب الدين، وغابت معه كل الحمولات الثقافية التي يدعو إليها. وبالتالي لا يبقى أي مسوغ لهذا الترتيب المغلوط والإيديولوجي في الوقت نفسه.
وقد بنى الأصوليون تصورهم هذا على مجموعة من الروايات، أسست لفكرة الجهاد من أجل حفظ الدين وغيرها من المفاهيم الثقافية المرتبطة بزمانها ومكانها. وهنا أستحضرمنشأ الخطر في البنية الأصولية، التي أسس لها علماء الأصول قديما وحديثا. فقد ركزوا بناء أصولهم على ثقافة عصرهم بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ولعل الرواية الحديثية بمختلف مستوياتها الفكرية أحد أطراف اللعبة، التي تواطأ فيها الكهنوت الديني بحليفه السياسي.
إن حفظ الدين بمفهومه الثقافي أسست له روايات بحجم ما ورد في الصحاح:” أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله “. و:” نصرت بالرعب مسيرة شهر… ” و” من بدل دينه
فاقتلوه “، وغير ذلك من الروايات الملهمة للعقل الأصولي على مر الحقب التاريخية. وهي ثقافة لم تؤمن يوما إلا بدينها أو تصورها لهذا الدين، ولا تستسيغ
الاختلاف بصفته أحد الأمور المحركة لعجلة التاريخ. كما ساهم في هذا الخطأ التاريخي جملة من القواعد والمناهج خاصة التفسيرية منها، حينما اعتبرت النص القرآني نصا غيرمبين، لا يجب أن تتم قراءته إلا في ضوء أحداث التاريخ بخلفياته المعروفة.
والخطأ الثاني في المعادلة الأصولية، أنها لم تبن بناءها على قواعد القرآن والفكرالإنساني الحر، المؤمن بحرية العقيدة والفكر. وهي ليست بدعا من العلوم الإسلامية التي أبت أن تبتعد عن النص القرآني في الكثير من الأحيان، متوسلة إليه عن طريق الاستشهاد لخدمة هذا التوجه أو ذاك. وقد أكدت في مقال سابق أن الكثير من نصوص القرآن، تنطق بشكل واضح في تحميل الإنسان مسؤولية أفعاله إيجابا وسلبا، وتنهاه عن تعليقها بأسباب خارجية، وذلك حين ربط مسؤولية التغيير بالإنسان في قوله:” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم “. فكل مخلوق مسؤول عن نفسه،تترتب على أفعاله نتائج تحدد مصير حياته، وعلاقاته مع بيئته، ووسطه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. هذه المسؤولية انبثقت من فكرة حرية الاختيار التي دعا إليها الدين عموما. وهي الكفيل الوحيد لصناعة السلام العالمي، وبناء الحضارة الإنسانية المتجاوزة للحساسيات الدينية والثقافية، وغير ذلك من الأمور التي تشعل فتيل الصراع والصدام بين الثقافات والحضارات، وتذيب جهود البشرية في بناء ثقافة السلام، الغائبة وراء الحسابات السياسية، أو التأصيلات الدينية الفاقدة للشرعية الإنسانية.فالدين سلوك رشيد لا سيف على رقبة الناس:” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي “. ولكل الحق في التدين أو غيره:” وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر “. ومن يحمل سيفه لإلزام الناس على تبني تصور معين، أوالركون في نمطية خبيثة، فهو مجرم بكل المقاييس سواء كانت دينية أو غير دينية:” فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر “.
غير أنه بالرغم من كل هذه البيانات القرآنية والمواقف البديهية، لأي ثقافة تحترم نفسها، إلا أن الثقافة الإسلامية بجميع مكوناتها، قفزت على هذا البيان العالمي
وضيقت من آفاقه الإنسانية، عبر قنواتها الفكرية خاصة علم الأصول و الفكر المقاصدي،الذي أسس لفكرة حفظ الدين عن طريق ما أسماه الجهاد. وهنا تحضرني إشكالية لطالما تناولها الكثير من الباحثين بدءا من عائشة بنت الشاطئ، وصولا إلى الأخ الكريم ابراهيم ابن نبي. وهي إشكالية تبقى لها أهميتها من الناحية المنهجية، وإن اختلفنا في تقييم نتائجها أو اتفقنا. إنها إشكالية المصطلح في القرآن أو ما يمكن تسميته بالاستعمال القرآني للألفاظ. والمهم في طرح مثل هذا التصور في المقاربة الدينية،هو تضييق المسار الروائي الذي احتوى النص الأصلي في الفهم الديني. فنكون بذلك قد قاربنا الموضوعية بالتزامنا ببنية النص الأصلية، دون اللجوء إلى ما قد يعكر علينا صفو فهمنا، أو يكون سببا في قراءات خارجة عن النسق الفكري للنص الأصلي. وذلك لن يتأتى إلا بالاحتكام إلى أسلوب القرآن نفسه، على هدي التتبع الدقيق بمعهود استعماله للألفاظ والأساليب داخل سياقاتها القرآنية. وهو أمر ضروري من الناحية المنهجية في مدارسة القرآن، بدل التفسير التجزيئي الذي أنتج فكرا تجزيئيا، يخدم التوجهات المختلفة ويبني لكل توجه مسارا خاصا.
والخطأ الثالث في عمق فكرة حفظ الدين، أنها أرادت أن تجعل تشريع الجهاد حسب فهمها للكلمة، مرده التأسيس لهذه الكلية المغلوطة. ولو تأمل الأصوليون قليلا لوجدوا أن كلمة الجهاد القرآنية، لا علاقة لها بما شحنه هؤلاء من مفاهيم ثقافية ارتبطت بواقع وزمان معينين. فالجهاد في القرآن ليس سوى بذل الجهد ومضاعفته، بما أوتي الإنسان من قوة تارة بالمال وتارة بالتضحية بالنفس، للوصول إلى ما يبتغيه الإنسان من كماليات الدنيا، وهو ضد أي تقاعس، أو كسل للنفس الإنسانية عن أداء دورها الريادي، المنبثق من مسؤوليتها الإنسانية:” إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم “. وليس هناك أي معنى للقتال، أو القتل داخل البنية اللفظية لهذه الكلمة، إلا ما شحنته أيادي من تلطخوا بدماءالناس، وجروا معهم النص القرآني للاحتجاج به من أجل مشروعية جرائمهم ضد الإنسانية.
ورسل الله لم يؤسسوا لفكرة القتل، كما هو حال جميع المصلحين قديما أو حديثا. بل كان كل عملهم مرتكزا على فكرة الإقناع بصدق الرسالة ومشروعها الإنساني:” فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا “، فبذل الجهد ومضاعفته كان من أجل تبليغ الكلمة وبالكلمة نفسها، ولم يكن يوما حملا للسيف. لأن من يحمل سيفا لن يحمل رسالة، ومن لا يحمل رسالة السلام، لن يكون إلا جبارا في الأرض مهما كانت ماهيته أوحجمه:” نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد”.

وهكذا كانت فكرة حفظ الدين مناخا ملائما أسسه الأصوليون، وبنى عليه صناع ثقافة الموت أرضية يجلبون بخيلهم ورجلهم على كل من خالفهم في الدين، أو حتى في فهمه. وساهمت ثقافة الرواية المحتكرة في إذكاء هذا البناء. وانطلاقا من هذا التصور نرى بأن بنية العلوم الإسلامية في شكلها الحالي، بنية محتضنة لفكرة الصدام الحتمي تحت مسميات وشعارات مختلفة. ولا يمكن أن نؤسس لإصلاح فعلي بعيدا عن المدارسة النقدية لهذه العلوم، الضاربة في التناقض الصريح مع مقررات الإنسانية. وأي إصلاح يغيب المقاربة البنيوية في نشأة هذه العلوم، يجد مآله الخسران والفشل الذي يكون الإنسان أحد ضحاياه الأساسيين..

النظام الاجتماعي في الاسلام - غيداء سرحان

كتاب النظام الاجتماعي في الاسلام

مرفق كتاب بعنوان النظام الاجتماعي في الاسلام
من إعداد
د: تقى الدين النبهاني


لتحميل اضغط  هنا 

بيان مقاصد الشريعة الاسلامية - غيداء سرحان

الحمد لله المتفرد بعظمته وكبريائه ومجده..المدبر للأمور بمشيئته وحكمته وحمده.. وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته وفضله ورفده..وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خير داع الى هداه ورشده.. اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وجنده..أما بعد
في هذا المقال سوف نحاول معرفة مقاصد الشريعة الاسلامية في الأحكام ونرى أيضا بان الاحكام الشرعية جاءت لتحقيق مصالح الناس والحفاظ عليها.ولانه اختلط الحابل بالنابل على الملحدين وبدأوا يخبطون خبط عشواء كالناقة العمياء.
قال الامام أبو حامد الغزالي: ” ان مقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم..فكل من يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة.. وكل مايفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة.. وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليها ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها اصلاح الخلق.”
فنرى أن الغرض من تشريع الأحكام هو الحفاظ على الضروريات الخمس.
والضروريات هي التي لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث اذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وآل مصير الانسان في الآخرة الى الخسران المبين..وسميت كليات لأن جميع الأحكام الشرعية تؤول اليها وتسعى للحفاظ عليها.
وانطلاقا من قول الغزالي يتضح أن الضروريات أو الكليات الخمس التي يسعى الشارع الى الحفاظ عليها حسب ترتيبها هي: الدين-النفس-العقل النسل-المال
الدين : هو مجموع العقائد والعبادات والأحكام التي شرعها الله سبحانه وتعالى لتنظيم علاقة الناس بربهم وعلاقات بعضهم ببعض..حيث قصد الشارع بتلك الأحكام اقامة الدين وتثبيته في النفوس..وذلك باتباع أحكام شرعها.. واجتناب أفعال أو أقوال نهى عنها..والحفاظ على الدين ثابت بالنصوص الشرعية التي تدعو الى الايمان وترغب فيه وتتوعد على الكفر وتنفر منه..قال تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } *آل عمران الاية 85*
ولأجل الحفاظ على الدين شرع الجهاد للدفاع عن عقيدة التوحيد {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}
كما نهى عن الردة وعاقب عليها..ونهى عن الابتداع في الدين ما ليس منه.
النفس: وقد شرع الاسلام لايجادها وبقاء النوع على الوجه الأكمل الزواج والتناسل.. كما اوجب لحمايتها تناول ما يقيمها من ضروري الطعام والشراب واللباس والسكن.. وأوجب دفع الضرر عنها ففرض القصاص والدية..وحرم كل ما يلقي بها الى التهلكة.
العقل: وأوجب الحفاظ على العقل فحرم كل مسكر وعاقب من يتناوله.
النسل: واوجب حفظ العرض بتحريمه للزنا والمعاقبة عليه..وفرض حد القذف.
المال: واوجب للحفاظ على المال السعي في طلب الرزق وأباح المعاملات والمبادلات والتجارة..وللحفاظ عليه حرم السرقة والغش والخيانة واكل أموال الناس بالباطل وعاقب على ذلك.
لقد جاءت الشريعة الاسلامية للحفاظ على هاته الضروريات..وذلك باقامتها وتحقيق أركانها ودرء الخلل الواقع أو التوقع فيها..فجميع العبادات شرعت لاقامة الدين ..أما العادات من أكل وشرب ولباس ومسكن فقد شرعت لاقامة النفس والعقل..وجميع المعاملات المباحة شرعت للحفاظ على النسل والمال.. وشرعت العقوبات لدرء المفسدة المتوقعة أو الواقعة في ذلك.
وهنا يتبادر سؤال ماذا نفعل اذا كان هناك تعارض بين المصالح؟
و نقول اذا وقع تعارض بين الضروريات والحاجيات والتحسينات قدم الأولى منها فهناك قاعدة أصولية تقول: “الضروريات تبيح المحظورات من الحاجيات.. والحاجيات تبيح المحظورات من التحسينات “
*تقديم الاولى عند التعارض
ويستفاد من القاعدة الأصولية أنه اذا وقع تعارض بين الضروريات فيما بينها قدم الأولى منها حسب ترتيبها في المحور السابق وهكذا:
-يقدم الحفاظ على الدين على الحفاظ على النفس..لذا فرض الجهاد رغم ما فيه من اتلاف للنفس.
- يباح شرب الخمر عند شدة العطش او الغصة مع فقدان الماء حفاظا على النفس لأنها مقدمة على العقل..شريطة الاكتفاء بالقدر الذي يفي بسد الحاجة لأن الضرورات تقدر بقدرها.
وهكذا يقدم الأولى من الضروريات عند التعارض..وزيادة في الحفاظ على هاته الضروريات لأهميتها فان المشرع أباح المحظورات للضروريات.
وينبني على ذلك أنه اذا وقع تعارض بين ضروري وحاجي وتحسيني قدم الضروري على الحاجي والتكميلي وقدم الحاجي على التحسيني.
-فالصلاة ضرورية واستقبال القبلة مكمل ولا تسقط الصلاة بالعجز عن استقبال القبلة.
-وتناول الطعام ضروري لحفظ النفس واجتناب النجاسات تحسيني ويباح أكل الميتة عندما لا يجد المرء ما يقتات به.
-والعلاج من المرض ضروري..وستر العورة تحسيني لذا يباح كشف العورة عند الحاجة للعلاج.
*اختلاط المصالح بالمفاسد
تقرر سابقا بأن الأحكام الشرعية تحقق مصالح العباد..الا أنه لا يوجد أي فعل له مصلحة خالصة فقط ..أو له مضرة خالصة فقط.. بل ان الأفعال كلها تختلط فيها المصالح بالمفاسد أو المشاق فما العمل العمل اذن؟؟ وما هو الضابط في ذلك؟
ان الفقهاء يقصدون بالمصالح ما غلب نفعه..وبالمفاسد ما غلب ضرره..فيكون الأول مطلوبا من الشرع والتاني منهيا عنه..وهكذا فعند نزول قوله تعالى {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما أكبر من نفعهما} فان بعض الصحابة فهم التحريم من هاته الآيات قبل نزول الآية التي تأمر بالاجتناب وتحرمه تحريما باتا أخذا بقاعدة أن المحرم ما غلب ضرره أو مفسدته.. ذلك لأن الشارع انما يبني أوامره ونواهيه على ما غلب على الفعل أو القول من مصلحة أو مفسدة.. فالايمان بالله وأتباع أحكامه مأمور بهما لما في ذلك من المنافع الدنيوية والأخروية رغم ما فيه من تقييد النفوس وقهرها تحت سلطان التكاليف وصدها عن قضاء أوطارها.
والكفر واقتراف المعاصي منهي عنهما لما فيهما من المضار الدنيوية والأخروية رغم ما فيه من تقييد للشهوات النفس وغرائزها لذا كان الشارع كالطبيب يكلف المريض بأن يتجرع الدواء المر أحيانا لما فيه من الشفاء ولما يجلبه من الصحة والعافية.
والتعمق في فهم الشريعة ومعانيها وعدم الوقوف عند معانيها الظاهرة شيء مطلوب ومرغوب فيه شرعا..فلقد أثنى الله على الذين يتعمقون في فهم الشريعة .
*الشريعة كلها رحمة وعدل
رغم ما في التكاليف الشرعية من مشقة فانها مقدورة للانسان العادي..كما ان الشار لم يقصد المشقة لذاتها..ولكن قصد ما يحصل من ورائها من نفع لذا فان المشقة اذا كانت مقصودة لذاتها من طرف المكلف نهى عنها الشارع..فقد نذر أحدهم أن يصوم قائما في الشمس فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتم صيامه ونهاه عن القيام في الشمس قائلا: “هلك المتنطعون” وقال للنفر الذين نذروا المواظبة على الصلاة والصوم واعتزال النساء: ” أما والله اني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء..فمن رغب عن سنتي فليس مني”
ولذلك قال الأصوليون الحرج مرفوع والمشقة تجلب التيسير مصداقا لقوله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.
وفيما يلي قواعد أصولية تتعلق بمقاصد الشريعة

القاعدة الأصولية
-الحرج مرفوع ***المصدر الشرعي {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ***مثال -النهي عن الصوم
-النهي عن الرهبانية

القاعدة الأصولية
-المشقة تجلب التيسير****المصدر الشرعي {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}*** مثال -الفطر في رمضان للمريض والمسافر
-جميع الرخص الشرعية

القاعدة الأصولية
-الضرورات تبيح المحظورات***المصدر الشرعي {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم}
{الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان}***مثال -أكل الميتة في المخمصة
-النطق بكلمة الكفر عند الاكراه

القاعدة الأصولية
-الضرورات تقدر بقدرها**المصدر الشرعي {الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان} ***مثال -لا يجوز التزود من الميتة

القاعدة الأصولية
-دفع المفاسد أولى من جلب المصالح ****المصدر الشرعي {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما أكبر من نفعهما} *** مثال -تحريم كل مسكر
-تحريم الربا

القاعدة الأصولية
-الضرر يزال شرعا***المصدر الشرعي {لا ضرر ولا ضرار}***مثال -جواز الشفعة لضرر الشريك الحال أو المتوقع
-الجبر على القسمة اذا امتنع الشريك

القاعدة الأصولية
-الضر لا يزال بالضرر*** المصدر الشرعي {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده}** مثال -ضرورة مراعاة ظروف الحاضنة والمحضون له (الوالد)
-المدين المفلس يضرب له أجل لقضاء دينه.
-الشريك تعطى له مهلة للشفعة
-لا يدفع المزارع مياه الأمطار الغزيرة عن حقله بالقائها في حقل غيره

القاعدة الأصولية
-يحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام*** المصدر الشرعي{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}*** مثال -قطع يد السارق لتأمين الناس على أموالهم..ونفس الشأن بالنسبة لكل العقوبات والحدود رغم مافيها من ضرر للفرد.
-بيع مال المدين جبرا عنه لأداء الدين الذي عليه اذا امتنع عن دفعه.
-المحتسب يجوز له أن يتدخل لفرض تسعيرة على المواد عندما يتجاوز التجار السعر المعقول. رغم ما فيه من ضرر للأفراد التجار.

وأرجوا من الله ان يفي المقال بالغرض وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين…

المقاصد العامة للشريعة الاسلامية - غيداء سرحان

حفظ الدين وقصور نظرية مقاصد الشريعة

إن الحديث عن العلوم الإسلامية حديث ذو شجون، يطول النقاش حول الكثير من جوانبه وقضاياه، وتتفرع الرؤى والتصورات حول هذه العلوم بين مؤيد لها ومحتضن لكل ماأنتجته من أفكار وأنماط وقواعد، وبين رافض لها مستبيح لقدسيتها ولكل ما أفرزته عبرالحقب والعصور. وهذا النقاش الطويل كان مرده اختلاف المعطيات والمنطلقات البحثية لكل تصور من هذه التصورات، إضافة إلى النتائج التي يحصل عليها هذا الفريق أو ذاك.
ومن هذه العلوم التي أسست لها الثقافة الإسلامية، ولا زالت نظريتها قائمة في المؤسسات المختلفة سواء كانت رسمية أو غير رسمية نظرية المقاصد، التي اعتبرت من الأمور التي تجاوزت القنطرة في منظور المؤصلين لهذا الفرع من المعرفة الدينية. وهي نظرية كانت ولا تزال محط تساؤل بين مؤيد لها، وناف لجدواها أو مقلل من شأنها. ولعل مثار الجدل الذي خلقته هذه النظرية نابع من عمق ما تحمله من معنى، وما يمكن أن تؤسس له من أفكار أو تصورات.

ولعل أبرز قضية قد تثيرها نظرية بحجم ما أصل له علم الأصول، هي دعوى هذا الأخير أن مدار الشرع حسب تصور الأصوليين له، يدور على كليات خمس تتمثل في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل. وقد مثلوا لكل كلية من هذه الكليات الخمس بأمثلة تطبيقية مستقاة حسب منظورهم الفكري والعقدي، مما قد يطلق عليه ثنائية الكتاب والسنة.
وأنا هنا إذ أريد أن أقنع نفسي بصدق ما تحمله هذه النظرية، ومشروعها الإنساني كما تزعم لنفسها، أريد في الوقت نفسه أن أخضعها للمجال التجريبي كما هو حال كل النظريات الفكرية التي يكون منشؤها العقل المجرد. وأنا هنا لا أريد أن أستبق النتائج لأعلن موقفي من هذه النظرية سلبا أو إيجابا. وإنما أهدف بشكل أو بآخر إلى وضع ما يمكن أن يكون لبسا نظريا عن طريق التلفيق والتزوير على المحك الحقيقي. فإن كان نافعا للناس حاملا مشروعه الإنساني فسيمكث في أذهان الناس وسيحمل مقوماتالدفاع عن نفسه.
وإذا كان مجرد قالب فارغ قد تمت زخرفته من الخارج ليسحر أعين الناس ويسترهبهم، فسرعان ما تنكشف حقيقته بمجرد إطلالة بسيطة على هذا الخواء.
ومن هذا المنطلق ستكون دراستنا من خلال التطبيق الفعلي على بعض معالم هذه النظرية ليتبين صدقها من زيفها. حتى إذا تهاوى هذا البعض سقط الآخر بالضرورة. وستكون مقاربتنا للموضوع من خلال التصور التالي:
1- نظرية المقاصد ونسبية علم الأصول:
لا بد لنا من إشارة هامة في هذا المقام، يجب استحضارها عند تناول أي قضية تهدف إلى مساءلة نقدية لعلم من العلوم خاصة العلوم المرتبطة بالدين. هذه المسألة
هي ما يمكن أن نصطلح عليه بنسبية العلوم الدينية. وقد يبدو الكلام تبسيطيا ومجرد تحصيل حاصل عند البعض. لكن الغوص في عمقه ومراميه يعكس حقيقة أزمة الواقع الديني بشكل كبير، حين جعل من هذه العلوم علوما فوق البشرية، وارتفع بها عن النقد والمساءلة من خلال مقولات وقواعد واهية، أصلت لبقائها محفوظة من سهام كل مقترب لبنيتها تحليلا أو نقدا. ونظرة إلى الواقع الإسلامي بعلومه المختلفة تصدق ماأكدناه، حينما اعتبر علومه قد جاوزت القنطرة ونضجت واحترقت، ومثل هذه المفاهيم الرامية إلى الارتفاع على سقف الإنسان، دونما أي منطق علمي.
وعلم الأصول واحد من هذه العلوم التي لم تنشأ من فراغ، ولم تحافظ على أسسها بالشكل المعروف حاليا، إلا من خلال هذا القواعد والقوالب الفكرية الفارغة المحتوى التي تفصل بين النظرية والتطبيق. كما أن المقاصد وهي فرع من علم الأصول لم تنلها أيضا يد النقد لما قد شرحناه آنفا. وعليه فلا بد من التذكير بنسبية هذه العلوم، لنخطو بجسارة في ظل ما هو نسبي بشري، ولنتمكن من تفعيل حريتنا وحقنا في ما نعتبره نقدا حقيقيا، لبنية هذه العلوم الإسلامية بعيدا عن المزايدات أو المناقصات.

ولعل الخلط المنهجي الذي يساهم في تكوين هذه النظرة السطحية للعلوم الإسلامية،وإحاطتها بالقدسية المزعومة هو وصفها:” بالشرعية أو الإسلامية “،
وبالتالي فأي اقتراب منها هو اقتراب من المحظور وانتهاك لحرمة الدين. وهو أمر مرفوضبالمنطق التاريخي والثقافي المؤمن بنشأة العلوم، وتأثرها بالعوامل المختلفة منزمان ومكان وسياسة واجتماع، وغير ذلك من الأمور.
على أن عدم الاكتراث بمفاهيم من قبيل ما شرحناه على المدى البعيد، تكون له مآلات كارثية في حجم ما نراه من أزمات سياسية واجتماعية يكون الدين أحد أطرافها. إذ وصف العلوم بالشرعية أو الإسلامية، هو منح لها طابعا إطلاقيا وشموليا يخترق حواجز الزمان والمكان، ويتناسى بأن هذه العلوم المسماة ” بالشرعية أوالإسلامية”، هي نتاج فكر بشري وظروف تاريخية معينة.
يجب أن يفهم هو أن العلوم الشرعية أو الإسلامية،ما هي إلا ثمرة تفاعل الإنسان مع الظاهرة الدينية. وهي في جوهرها رؤية إنسانية نسبية يتساوى فيها احتمال الخطأ والصواب، وتتأثر بالعوامل المختلفة التي تشكل عقل الإنسان من زمان ومكان وثقافة. فتغييب هذا الجانب المحوري في الدين، قد تكون له انعكاسات خطيرة، تنسف بجهود البشر في ترسيخ مبادئ العدل والسلام والإخاء، وتقضي بشكل نهائي على أمل التواصل الحضاري مع الآخر.

2- حفظ الدين وإشكالية الإرهاب العالمي:
تعد قضية حفظ الدين من الكليات الكبيرة في الترتيب المقاصدي لعلماء الأصول. فقد أولوهاعناية فائقة، وأنزلوها المنزلة الأولى في ترتيبهم لهذه الكليات. ولعل هذا الترتيب لم يكن خاضعا لمنطق العبث، أي لم يكن منشأه الفراغ. بل كانت هناك مرجعية فكرية ونصوص مؤسسة لهذا التصور الفكري، سواء اتفقنا مع هذه المرجعيات أم اختلفنا.
ولمعرفة مدى الخطر الكبير الكامن وراء هذه البنية الفكرية، سيكون لزاما علينا أن نقوم بنقد هذه الذهنية، انطلاقا من المنطق الذي تؤمن به. ولعل الخطأ الأول في هذا الترتيب أنه قدم عنصر الدين على عنصر الإنسان، ونسى أو تناسى أن الدين للإنسان وليس العكس، ولو نزعنا عنصر الإنسان، بصفته صاحب الريادة داخل المنظومة الكونية لاختلت المعادلة، ولما عاد للدين أي دور أو هدف. وقد يبدو لناظر أننا ننطلق من نظرة معادية للدين أو ما شابه. ولكن الأمر يختلف هنا ونحن نتناول قضية لها وزنها وتبعاتها على مختلف المستويات. فحفظ الإنسان هو أول كلي يمكن أن نتحدث عنه، ولاتوجد أي إيديولوجية سواء كانت دينية أو غير دينية، إلا ركزت على البعد الإنساني ليجد خطابها المصداقية والواقعية أيضا. والدين نفسه لا يخرج عن هذا الإطار العام لأي تصور فكري أو ثقافي آخر. فإذا غاب الإنسان غاب الدين، وغابت معه كل الحمولات الثقافية التي يدعو إليها. وبالتالي لا يبقى أي مسوغ لهذا الترتيب المغلوط والإيديولوجي في الوقت نفسه.
وقد بنى الأصوليون تصورهم هذا على مجموعة من الروايات، أسست لفكرة الجهاد من أجل حفظ الدين وغيرها من المفاهيم الثقافية المرتبطة بزمانها ومكانها. وهنا أستحضرمنشأ الخطر في البنية الأصولية، التي أسس لها علماء الأصول قديما وحديثا. فقد ركزوا بناء أصولهم على ثقافة عصرهم بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ولعل الرواية الحديثية بمختلف مستوياتها الفكرية أحد أطراف اللعبة، التي تواطأ فيها الكهنوت الديني بحليفه السياسي.
إن حفظ الدين بمفهومه الثقافي أسست له روايات بحجم ما ورد في الصحاح:” أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله “. و:” نصرت بالرعب مسيرة شهر… ” و” من بدل دينه
فاقتلوه “، وغير ذلك من الروايات الملهمة للعقل الأصولي على مر الحقب التاريخية. وهي ثقافة لم تؤمن يوما إلا بدينها أو تصورها لهذا الدين، ولا تستسيغ
الاختلاف بصفته أحد الأمور المحركة لعجلة التاريخ. كما ساهم في هذا الخطأ التاريخي جملة من القواعد والمناهج خاصة التفسيرية منها، حينما اعتبرت النص القرآني نصا غيرمبين، لا يجب أن تتم قراءته إلا في ضوء أحداث التاريخ بخلفياته المعروفة.
والخطأ الثاني في المعادلة الأصولية، أنها لم تبن بناءها على قواعد القرآن والفكرالإنساني الحر، المؤمن بحرية العقيدة والفكر. وهي ليست بدعا من العلوم الإسلامية التي أبت أن تبتعد عن النص القرآني في الكثير من الأحيان، متوسلة إليه عن طريق الاستشهاد لخدمة هذا التوجه أو ذاك. وقد أكدت في مقال سابق أن الكثير من نصوص القرآن، تنطق بشكل واضح في تحميل الإنسان مسؤولية أفعاله إيجابا وسلبا، وتنهاه عن تعليقها بأسباب خارجية، وذلك حين ربط مسؤولية التغيير بالإنسان في قوله:” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم “. فكل مخلوق مسؤول عن نفسه،تترتب على أفعاله نتائج تحدد مصير حياته، وعلاقاته مع بيئته، ووسطه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. هذه المسؤولية انبثقت من فكرة حرية الاختيار التي دعا إليها الدين عموما. وهي الكفيل الوحيد لصناعة السلام العالمي، وبناء الحضارة الإنسانية المتجاوزة للحساسيات الدينية والثقافية، وغير ذلك من الأمور التي تشعل فتيل الصراع والصدام بين الثقافات والحضارات، وتذيب جهود البشرية في بناء ثقافة السلام، الغائبة وراء الحسابات السياسية، أو التأصيلات الدينية الفاقدة للشرعية الإنسانية.فالدين سلوك رشيد لا سيف على رقبة الناس:” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي “. ولكل الحق في التدين أو غيره:” وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر “. ومن يحمل سيفه لإلزام الناس على تبني تصور معين، أوالركون في نمطية خبيثة، فهو مجرم بكل المقاييس سواء كانت دينية أو غير دينية:” فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر “.
غير أنه بالرغم من كل هذه البيانات القرآنية والمواقف البديهية، لأي ثقافة تحترم نفسها، إلا أن الثقافة الإسلامية بجميع مكوناتها، قفزت على هذا البيان العالمي
وضيقت من آفاقه الإنسانية، عبر قنواتها الفكرية خاصة علم الأصول و الفكر المقاصدي،الذي أسس لفكرة حفظ الدين عن طريق ما أسماه الجهاد. وهنا تحضرني إشكالية لطالما تناولها الكثير من الباحثين بدءا من عائشة بنت الشاطئ، وصولا إلى الأخ الكريم ابراهيم ابن نبي. وهي إشكالية تبقى لها أهميتها من الناحية المنهجية، وإن اختلفنا في تقييم نتائجها أو اتفقنا. إنها إشكالية المصطلح في القرآن أو ما يمكن تسميته بالاستعمال القرآني للألفاظ. والمهم في طرح مثل هذا التصور في المقاربة الدينية،هو تضييق المسار الروائي الذي احتوى النص الأصلي في الفهم الديني. فنكون بذلك قد قاربنا الموضوعية بالتزامنا ببنية النص الأصلية، دون اللجوء إلى ما قد يعكر علينا صفو فهمنا، أو يكون سببا في قراءات خارجة عن النسق الفكري للنص الأصلي. وذلك لن يتأتى إلا بالاحتكام إلى أسلوب القرآن نفسه، على هدي التتبع الدقيق بمعهود استعماله للألفاظ والأساليب داخل سياقاتها القرآنية. وهو أمر ضروري من الناحية المنهجية في مدارسة القرآن، بدل التفسير التجزيئي الذي أنتج فكرا تجزيئيا، يخدم التوجهات المختلفة ويبني لكل توجه مسارا خاصا.
والخطأ الثالث في عمق فكرة حفظ الدين، أنها أرادت أن تجعل تشريع الجهاد حسب فهمها للكلمة، مرده التأسيس لهذه الكلية المغلوطة. ولو تأمل الأصوليون قليلا لوجدوا أن كلمة الجهاد القرآنية، لا علاقة لها بما شحنه هؤلاء من مفاهيم ثقافية ارتبطت بواقع وزمان معينين. فالجهاد في القرآن ليس سوى بذل الجهد ومضاعفته، بما أوتي الإنسان من قوة تارة بالمال وتارة بالتضحية بالنفس، للوصول إلى ما يبتغيه الإنسان من كماليات الدنيا، وهو ضد أي تقاعس، أو كسل للنفس الإنسانية عن أداء دورها الريادي، المنبثق من مسؤوليتها الإنسانية:” إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم “. وليس هناك أي معنى للقتال، أو القتل داخل البنية اللفظية لهذه الكلمة، إلا ما شحنته أيادي من تلطخوا بدماءالناس، وجروا معهم النص القرآني للاحتجاج به من أجل مشروعية جرائمهم ضد الإنسانية.
ورسل الله لم يؤسسوا لفكرة القتل، كما هو حال جميع المصلحين قديما أو حديثا. بل كان كل عملهم مرتكزا على فكرة الإقناع بصدق الرسالة ومشروعها الإنساني:” فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا “، فبذل الجهد ومضاعفته كان من أجل تبليغ الكلمة وبالكلمة نفسها، ولم يكن يوما حملا للسيف. لأن من يحمل سيفا لن يحمل رسالة، ومن لا يحمل رسالة السلام، لن يكون إلا جبارا في الأرض مهما كانت ماهيته أوحجمه:” نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد”.

وهكذا كانت فكرة حفظ الدين مناخا ملائما أسسه الأصوليون، وبنى عليه صناع ثقافة الموت أرضية يجلبون بخيلهم ورجلهم على كل من خالفهم في الدين، أو حتى في فهمه. وساهمت ثقافة الرواية المحتكرة في إذكاء هذا البناء. وانطلاقا من هذا التصور نرى بأن بنية العلوم الإسلامية في شكلها الحالي، بنية محتضنة لفكرة الصدام الحتمي تحت مسميات وشعارات مختلفة. ولا يمكن أن نؤسس لإصلاح فعلي بعيدا عن المدارسة النقدية لهذه العلوم، الضاربة في التناقض الصريح مع مقررات الإنسانية. وأي إصلاح يغيب المقاربة البنيوية في نشأة هذه العلوم، يجد مآله الخسران والفشل الذي يكون الإنسان أحد ضحاياه الأساسيين.

كتاب مقاصد الشريعة الاسلامية

مقاصد الشريعة الإسلامية
تأليف العلامة محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله


حمل هنا 


..

معجم أسماء الله الحسنى_غيداء سرحان

 

معجم أسماء الله الحسنى

العلم بالله هو أجل العلوم وأعلاها، وأنفعها عند الله وأسماها، وكيف لا يكون كذلك، وهو يعرّف العباد بأعظم من عُرف، ويقربهم إلى أسمى من عُبد، فهو يجلي للعبد حقيقة ربه، ويعرفه صفاته وأسماءه، حتى يعبده على بصيرة، ويحبه على علم.

وقد حثَّ النبي – صلى الله عليه وسلم – أمته على تتبع أسمائه – سبحانه – ومعرفتها وحفظها، ووعدهم جزاء ذلك الجنة، فقال – عليه الصلاة والسلام – : ( إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة ) متفق عليه . ولا يعني الحديث حصر أسماء الله في تسعة وتسعين اسماً، وإنما المراد أن الجزاء مرتب ومعلق على إحصاء هذا العدد . أما جملة أسمائه فلا يعلمها إلا هو ، كما جاء في الحديث، قال – صلى الله عليه وسلم – : (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ) رواه أحمد .

وقد دفع هذا التحفيز النبوي العلماء إلى تتبع أسماء الله – سبحانه – من أدلة الكتاب والسنة، فاتفقوا على أسماء، واختلفوا في أخرى، بناء على اختلافهم في طرق استنباط الأسماء، والضوابط التي اعتمدناها في هذا المعجم أن يكون الاسم قد دلّ عليه الكتاب والسنة أو أحدهما، وأن يكون مشتملاً على معاني الثناء والمدح، فإن الله وصف أسمائه بالحسنى أي: التي بلغت الغاية في الحسن، كالعليم والقدير، وألا يكون اسماً جامداً كالدهر والأبد والشيء، واقتفينا في ذكر الأسماء الحسنى ما قاله العلماء ونصوا عليه في كتبهم كالقرطبي والرازي والبيهقي وغيرهم ممن ألف في هذه العلم الجليل .

وقد رتبنا أسماء الله الحسنى على حروف المعجم، إلا أننا قدمنا بذكر أعظمها وأجلها وهو اسم ( الله ) لكون جميع الأسماء تنسب إليه، ولا ينسب هو إلى شيء منها:-

1- ( الله ) وهو أكبر الأسماء وأجمع معانيها، وبه ابتدأ الله كتابه الكريم، فقال { بسم الله }(الفاتحة:1)، وابتدأ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كتبه ورسائله فكان يفتتحها ب ( بسم الله )، وأضاف سبحانه كل أسماءه إليه فقال: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها }. وهو علم على الذات، واسم للموجود الحق الجامع لصفات الألوهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوحدانية لا إله إلا هو، وهو اسم غير مشتق، وقيل: مشتق من أله الرجل إلى الرجل يأله إليه، إذا فزع إليه من أمر نزل به، وقيل مشتق من غير ذلك .
ولاسم ( الله ) خصائص منها: أنه أول أسماء الله، وأعظمها، وأعمها مدلولاً، وأنه لم يتسم به أحد من البشر، وأنه الذي يُفتتح به أمور الخير، تبركاً وتيمناً، وأنه إذا ارتفع من الأرض قامت الساعة .

2- ( الأحد ) ورد في قوله تعالى: { قل هو الله أحد }(الإخلاص:1) ومعناه: هو الذي لا شبيه له، ولا نظير، فهو المتفرد في ذاته وصفاته وأفعاله.

3- ( الآخر ) ورد في قوله تعالى: { هو الأول والآخر }(الحديد:3) وفي الحديث: ( وأنت الآخر فليس بعدك شيء ) رواه مسلم ، ومعناه: الذي ليس لوجوده نهاية، بل له الخلود المطلق، والبقاء الدائم، لا يفنى ولا يبيد .

4- ( الأعلى ) ورد أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقول في سجوده: ( سبحان ربي الأعلى ) رواه مسلم ومعناه: الذي علا على كل شيء، فمهما تصور العبد عالياً فالله أعلى منه، فله العلو المطلق في ذاته وصفاته .

5- (الأكرم) ورد في قوله تعالى: { اقرأ وربك الأكرم }(العلق:3) ومعناه: الذي لا يوازي كرمه كرم، ولا يعادله في كرمه كريم.

6- (الأول) ورد في قوله تعالى: { هو الأول }(الحديد:3) وفي الحديث: ( أنت الأول فليس قبلك شيء ) رواه مسلم . ومعناه: الذي ليس لوجوده بداية، فكل ما سواه كائن بعد أن لم يكن .

7- (البارئ) ورد في قوله تعالى: { هو الله الخالق البارئ }(الحشر:24)، وهو في معنى الخالق إلا أنه يدل على مطلق الخلق من غير تقدير .

8- (الباسط) ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله المسعر القابض الباسط ) رواه الترمذي وصححه . ومعناه: الذي يوسع رزقه على من يشاء من عباده كما قال تعالى: { والله يقبض ويبسط }(البقرة: 245).

9- (الباطن) ورد في قوله تعالى: { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم }(الحديد:3)، وورد في قوله – صلى الله عليه وسلم -: ( وأنت الباطن فليس دونك شيء ) رواه مسلم ومعناه: المحتجب عن خلقه فلا يرى في الدنيا، وإنما يُعلم وجوده بدلائل خلقه وآثار صنعه.

10- (البديع) ورد في قوله تعالى: { بديع السموات والأرض }(البقرة: 117 ) ومعناه: الذي خلق الخلق على غير مثال سابق .

11- (البصير): ورد في قوله تعالى: { وهو السميع البصير }(الشورى:11) ومعناه الذي يرى المبصرات، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

12- ( البَرّ ) ورد في قوله تعالى: { إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم }(الطور: 28) ومعناه: العطوف على عباده المحسن إليهم، الذي عم بره وإحسانه جميع خلقه.

13- (التوّاب) ورد في قوله تعالى: { فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم }(البقرة: 37)، ومعناه: الذي يقبل توبة عباده، وكلما تكررت التوبة تكرر القبول.

14- (الجبار) ورد في قوله تعالى: { هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار }(الحشر:23) ومعناه: مأخوذ من الجبر والقهر والتعالي فهو سبحانه: المستعلي المتعاظم الذي لا يخرج أحد عن أمره الكوني وسلطانه القدري، فهو الذي يحيي ويميت، ويرزق ويفقر، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء في خلقه لا راد لأمره، ولا ناقض لقضائه .

15- (الجليل) أخذ من قوله تعالى: { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام }(الرحمن: 27 ) ومعناه: العظيم القدر الرفيع الشأن، الذي يصغر كل جليل دون جلاله وعظمته، ويتضع كل عظيم دون شرفه ومنزلته .

16- (الحسيب) ورد في قوله تعالى: { وكفى بالله حسيباً }(النساء: 6) ومعناه: أنه الشريف الذي فاق شرفه كل شرف، والعالم الذي يعلم مقادير الأشياء وأعدادها، والكافي الذي يحفظ ويرزق.

17- (الحافظ) ورد في قوله تعالى: { فالله خير حافظا }(يوسف:64) ومعناه الصائن عبده عن أسباب الهلكة في أمور دينه ودنياه .

18- (الحفيظ) ورد في قوله تعالى: { إن ربي على كل شيء حفيظ }(هود:57) ومعناه: الحافظ، فهو الذي يحفظ السماء أن تقع على الأرض، ويحفظ الأرض أن تهوي، ويحفظ الكواكب أن تصطدم ببعضها، ويحفظ للحياة نظامها، ويحفظ على عباده ما عملوه من خير وشر وطاعة ومعصية .

19- (الحق) ورد في قوله تعالى: { ويعلمون أن الله هو الحق المبين }(النور:25) ومعناه: الذي لا يسع أحد إنكاره، بل يجب إثباته والاعتراف به، لتظاهر الأدلة على وجوده سبحانه .

20- (الحكم) ورد في الكتاب في قوله تعالى: { حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين }(الأعراف:78)، وقال – صلى الله عليه وسلم -: ( إن الله هو الحكم وإليه الحكم ) رواه أبو داود ، ومعناه: الذي يفصل بين المتخاصمين بالعدل، ويقضي بين المختلفين بالقسط، ويشرّع الشرائع، ويضع الأحكام .

21- (الحكيم) ورد في قوله تعالى: { قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم }(البقرة: 32)، ومعناه: الذي يضع الأمور مواضعها، ولا يفعل إلا الصواب، ولا يقول إلا الحق، وأفعاله سديدة، وصنعه متقن .

22- (الحليم) ورد في قوله تعالى: { والله غفور حليم }(البقرة:225) ومعناه: الذي لا يحبس إنعامه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، بل يرزقهم ويحفظهم ويرشدهم حتى يعودوا إليه ويتوبوا .

23- (الحميد) ورد في قوله تعالى: { وإن الله لهو الغني الحميد }(الحج:64) ومعناه: المحمود الذي استحق الحمد بفعاله، فهو الذي يحمد في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، وأفعاله لا تخرج عن مقتضى الحكمة والرحمة والعدل .

24- (الحي) ورد في قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم }(البقرة: 255)، ومعناه: أنه ذو الحياة التامة الكاملة – سبحانه – فحياته ذاتية أزلية، لم يسبقها موت ولا عدم، على خلاف سائر الأحياء . واسم الحي يتضمن جميع الصفات الذاتية كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها.

25- (الخالق) ورد في قوله تعالى: { هو الله الخالق البارئ المصور }(الحشر:24) ومعناه: مأخوذ من الخلق وهو الإيجاد والتقدير فالله سبحانه هو الذي قدّر الأشياء قبل وجودها، وأخرجها من العدم إلى الوجود .

26- (الخبير) ورد في قوله تعالى: { وهو الحكيم الخبير }(الأنعام:18) ومعناه: الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها .

27- ( الخلاّق ) ورد في قوله تعالى: { إن ربك هو الخلاق العليم }(الحجر: 86)، وهو في معنى الخالق ويزيد عليه في دلالته على كثرة خلق الله واتساعه.

28- ( الديّان ) ورد في قوله – صلى الله عليه وسلم – أن الله ينادي يوم القيامة: ( أنا الملك، أنا الديان ) رواه أحمد ومعناه: الذي يحاسب عباده ويجازيهم، ولا يضيع عمل عامل منهم.

29- ( ذو الجلال والإكرام ) ورد في قوله تعالى: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام }(الرحمن: 78) وكان من دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم – قوله: ( اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ) رواه أحمد . ومعناه: أنه صاحب العظمة والكبرياء والشرف، وأهل الكرم والسعة والجود.

 

 

الاثنين، 1 أبريل 2013

ريناد الحازمي الكفر وانواعه


أولاً : أهمية معرفته ومعرفة أنواعه :
دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الإيمان لا يصح ولا يقبل إلا بأمرين ـ هما معنى شهادة أن لا إله إلا الله " ـ وهما الاستسلام لله بالتوحيد ، والبراءة من الكفر والشرك بجميع أنواعه.
ولا يمكن للشخص أن يتبرأ من شيء ويحذره إلا بعد أن يعرفه ويتبينه ، فعلم بهذا ضرورة تعلم التوحيد للعمل به وتحقيقه ، ومعرفة الكفر والشرك للحذر منه ومجانبته .
ثانيا ً: تعريف الكفر
الكفر في اللغة : ستر الشيء وتغطيته
وأما في الاصطلاح الشرعي فهو " عدم الإيمان بالله ورسله ، سواءً كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب ، بل شك وريب ، أو إعراض عن الإيمان حسدا ًأو كبراً أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة فالكفر صفةٌ لكل من جحد شيئاٌ مما افترض الله تعالى الإيمان به ، بعد أن بلغه ذلك سواء جحد بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه ، أوبهما معاٌ ، أو عمل عملاٌ جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان " انظر [مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية  12/335] و[ الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم : 1 / 45 ] .
وقال ابن حزم في كتابه الفصل : " بل الجحد لشيء مما صح البرهان أنه لا إيمان إلا بتصديقه كفرٌ ، والنطق بشيء من كل ما قام البرهان أن النطق به كفرٌ كفر ، والعمل بشيء مما قام البرهان بأنه كفرٌ كفر "
ثالثا : أنواع الكفر الأكبر المخرج من الملة :
قسم العلماء الكفر إلى عدة أقسام تندرج تحتها كثير من صور الشرك وأنواعه وهي :
1)  كفر الجحود والتكذيب  : وهذا الكفر تارة يكون تكذيباً بالقلب ـ وهذا الكفر قليل في الكفار كما يقول ابن القيم رحمه الله ـ وتارة يكون تكذيبا باللسان أو الجوارح وذلك بكتمان الحق وعدم الانقياد له ظاهرا مع العلم به ومعرفته باطنا ً، ككفر اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد قال الله تعالى عنهم : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) البقرة/89 وقال أيضا : ( وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ) ( البقرة :146 )  وذلك أن التكذيب لا يتحقق إلا ممن علمَ الحقَّ فرده ولهذا نفى الله أن يكون تكذيب الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم على الحقيقة والباطن وإنما باللسان فقط ؛ فقال تعالى : ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) الأنعام/33 وقال عن فرعون وقومه : ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً) النمل/14
   ويلحق بهذا الكفر كفر الاستحلال فمن استحل ما عَلِم من الشرع حرمته فقد كذَّب   
   الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به ، وكذلك من حَرَّم ما عَلِم من الشرع حِله .
2)  كفر الإعراض والاستكبار : ككفر إبليس إذ يقول الله تعالى فيه : ( إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) البقرة/34
 وكما قال تعالى : ( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) النور/47 فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل ، وإن كان أتى بالقول . فتبين أن كفر الإعراض هو : ترك الحق لا يتعلمه ولا يعمل به سواء كان قولا أو عملا أو اعتقادا . يقول تعالى : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ) الأحقاف/3 فمن أعرض عما جاء به الرسول بالقول كمن قال لا أتبعه ، أو بالفعل كمن أعرض وهرب من سماع الحق الذي جاء به أو وضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع ، أو سمعه لكنه أعرض بقلبه عن الإيمان به ، وبجوارحه عن العمل فقد كفرَ كُفْر إعراض.
3)  كفر النفاق :وهو ما كان بعدم تصديق القلب وعمله ، مع الانقياد ظاهرا رئاء الناس ككفر ابن سلول وسائر المنافقين الذين قال الله تعالى عنهم : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ .يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ .. الخ الآيات ) البقرة/8–20
4)  كفر الشك والريبة : وهو التردد في اتباع الحق أو التردد في كونه حقاً ، لأن المطلوب هو اليقين بأن ما جاء به الرسول حق لا مرية فيه ، فمن جوَّز أن يكون ما جاء به ليس حقا ًفقد كفر؛ كفر الشك أو الظن كما قال تعالى : ( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً . قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً . لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) الكهف/35-38
فنخلص من هذا أن الكفر ـ وهو ضد الإيمان ـ قد يكون تكذيبا بالقلب ، فهو مناقض لقول القلب ِأي تصديقه ، وقد يكون الكفر عملاً قلبياً كبغض الله تعالى أو آياته  ، أو رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا يناقض الحب الإيماني الذي هو آكد أعمال القلوب وأهمها . كما أن الكفر يكون قولاً ظاهرا كسب الله تعالى ، وتارة يكون عملا ظاهراً كالسجود للصنم ، والذبح لغير الله ، فكما أن الإيمان يكون بالقلب واللسان والجوارح فكذلك الكفر يكون بالقلب واللسان والجوارح . نسأل الله أن يعيذنا من الكفر وشعبه ،و أن يزينا بزينة الإيمان ويجعلنا هداة مهتدين ... آمين . والله تعالى أعلم .
ينظر ( أعلام السنة المنشورة 177 ) و ( نواقض الإيمان القولية والعملية للشيخ عبد العزيز آل عبد اللطيف36 – 46 ) و ( ضوابط التكفير للشيخ عبد الله القرني 183 – 196 ).

ريناد الحازمي - الشرك


 أعظم ما عصي به الله منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا الشرك به سبحانه ، حتى وصف الله هذا الذنب بالظلم العظيم ، فقال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13) وما ذلك إلا لما فيه من الجناية العظيمة في حق الخالق جلَّ جلاله . فالله هو الذي خلق ، وهو الذي رزق ، وهو الذي يحيي ، وهو الذي يميت ، ومع كل هذه النعم ، وهذه المنن ، والمشرك يجحد ذلك وينكره ، بل ويصرف عبادته وتعظيمه لغير الله سبحانه . فما أعظمه من ظلم وما أشده من جور ، لذلك كانت عقوبة المشرك أقسى العقوبات وأشدها ، ألا وهي الخلود الأبدي في النار ، قال تعالى في بيان ذلك : { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } (المائدة: 72) وكل ذنب مات العبد من غير أن يتوب منه حال الحياة فإمكان العفو والمغفرة فيه يوم القيامة واردٌ إلا الشرك والكفر ، فإن الله قد قطع رجاء صاحبه في المغفرة ،قال تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } (النساء:48)
والشرك المقصود بكلامنا هذا هو الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وهو على أنواع :
1- شرك في الربوبية : وهو اعتقاد أن ثمة متصرف في الكون بالخلق والتدبير مع الله سبحانه . وهذا الشرك ادعاه فرعون لنفسه : { فقال أنا ربكم الأعلى } ( النازعات : 24) فأغرقه سبحانه إمعاناً في إبطال دعواه ، إذ كيف يغرق الرب في ملكه الذي يسيره ؟!
2- شرك في الألوهية : وهو صرف العبادة أو نوع من أنواعها لغير الله ، كمن يتقرب بعبادته للأصنام والأوثان والقبور ونحوها ، بدعوى أنها تقرِّب من الله ، فكل هذا من صور الشرك في الألوهية ، والله لم يجعل بينه وبين عباده في عبادته واسطة من خلقه ، بل الواجب على العباد أن يتقربوا إليه وحده من غير واسطة فهو المستحق لجميع أنواع العبادة ، من الخوف والرجاء والحب والصلاة والزكاة وغيرها من العبادات القلبية والبدنية ، قال تعالى :{ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } (الأنعام : 162-163 )
3- شرك في الأسماء والصفات : وهو اعتقاد أن ثمة مخلوق متصف بصفات الله عز وجل كاتصاف الله بها ، كمن يعتقد أن بشراً يعلم من الغيب مثل علم الله عز وجلَّ ، أو أن أحدا من الخلق أوتي من القدرة بحيث لا يستعصي عليه شيء ، فأمره بين الكاف والنون ، فكل هذا من الشرك بالله ، وكل من يدعي ذلك فهو كاذب دجَّال .
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم كل هذه الأنواع في جملة واحدة من جوامع الكلم حين سئل عن الشرك بالله فقال: ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ) متفق عليه ، والند هو المثيل والنظير فكل من أشرك بالله سواء في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات فقد جعل له نداً ومثيلاً ونظيراً .
هذه هي أنواع الشرك الأكبر ، وأما الشرك الأصغر ، فهو وإن لم يكن مخرجا من الملة إلا أن صاحبه قد أرتكب ذنباً عظيماً ، وإذا لقي العبد ربه به من غير توبة منه في حال الحياة ، كان تحت المشيئة إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة ، ومن أمثلة الشرك الأصغر الحلف بغير الله من غير أن يعتقد الحالف أن منزلة المحلوف به كمنزلة الله عز وجل في الإجلال والتعظيم ، فإن من اعتقد ذلك كان حلفه كفرا أكبر مخرجا من الملة ، ومن أمثلته أيضاً قول القائل : ما شاء الله وشئت ، فقد جاء يهودي إلى النبي صلى الله فقال : ( إنكم تشركون ، تقولون : ما شاء الله وشئت ، وتقولون والكعبة ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة ويقولون : ما شاء الله ثم شئت ) رواهالنسائي .
ومن أنواع الشرك الأصغر الرياء ، وهو أن يقصد العبد بعبادته عَرَضَ الدنيا ، من تحصيل جاه أو نيل منزلة ، قال تعالى : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا   صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } (الكهف :110 ) ، وروى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قالوا : وما الشرك الأصغر ؟ يا رسول الله ، قال : الرياء ، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة : إذا جُزِيَ الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ) .
هذا هو الشرك بنوعيه الأصغر والأكبر ، والواجب على المسلم أن يكون على علم بتوحيد الله وما يقرِّب إليه ، فإن من أعظم أسباب انتشار الشرك بين المسلمين الجهل بما يجب لله من التوحيد ، وقد كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على بيان التوحيد الخالص ، وحريصاً على بيان الشرك وقطع أسبابه ، إلا أن البعد عن منبع الهدى من الكتاب والسنة أدخل طوائف من الأمة في دوامات من الممارسات الخاطئة لشعائرٍ كان من الواجب صرفها لله ، فصرفت إلى مخلوقين لا يستحقونها.